: ديوان "كزهر اللوز أو أبعد" .
ديوان
كزهر اللوز أو أبعد
محمود درويش
المجموعة الأولى:
أَنت
1- فكر بغيرك
2- الآن في المنفى
3- حين تطيل التأمل
4- إن مشيت على شارع
5- مقهى ، وانت مع الجريدة
أَنت
فكر بغيرك
وأنت تعد فطورك فكر بغيرك
[لا تنس قوت الحمام]
وأنت تخوض حروبك فكر بغيرك
[لا تنس من يطلبون السلام]
وأنت تسدد فاتورة الماء فكر بغيرك
[لا تنس من يرضعون الغمام]
وأنت تعود إلى البيت، بيتك، فكر بغيرك
[لا تنس شعب الخيام]
وأنت تنام وتحصي الكواكب، فكر بغيرك
[ثمة من لم يجد حيزاً للمنام]
وأنت تحرر نفسك بالاستعارات، فكر بغيرك
[من فقدوا حقهم في الكلام]
وأنت تفكر بالآخرين البعيدين، فكر بنفسك
[قل: ليتني شمعة في الظلام]
أنت
الآن ... في المنفى
الآن، في المنفي ... نعم في البيت،
في الستين من عمر سريع
يوقدون الشمع لك
فافرح بأقصي ما استطعت من الهدوء،
لأن موتاً طائشاً ضل الطريق إليك
من فرط الزحام ... وأجَّلك
قمرٌ فضوليٌّ على الأطلال،
يضحك كالغبيّ
فلا تصدق أنه يدنو لكي يستقبلك
هو في وظيفته القديمة، مثل آذارَ
الجديد ... أعاد للأشجار أسماء الحنين
وأهملك
فلتحتفل مع أصدقائك بانكسار الكأس.
في الستين لن تجد الغد الباقي
لتحمله علي كتف النشيد... ويحملك
قل للحياة، كما يليق بشاعر متمرس:
سيري ببطء كالإناث الواثقات بسحرهن
وكيدهن. لكل واحدة نداءٌ ما خفيٌ :
هَيتَ لك / ما أجملك!
سيري ببطء، يا حياة، لكي أراك
بكامل النقصان حولي كم نسيتك في
خضمِّك باحثاً عني وعنك. وكلما أدركت
سراً منك قلت بقسوة: ما أجهلَك!
قل للغياب: نقصتني
وأنا حضرتَ ... لأكملَك!
أنت
حين تطيل التأمل
حين تطيل التأمل في وردةٍ
جرَحَت حائطاً، وتقول لنفسكَ:
لي أملٌ في الشفاء من الرمل /
يخضر قلبُكَ...
حين ترافق أنثى إلى السيرك
ذات نهار جميل كأيقونة ...
وتحلًّ كضيف على رقصة الخيل /
يحمر قلبُكَ...
حين تعُدُّ النجوم وتخطئ بعد
الثلاثة عشر، وتنعس كالطفل
في زرقة الليل /
يبيض قلبُكَ...
حين تسير ولا تجد الحلم
يمشي أمامك كالظل /
يصفر قلبُكَ...
أنت
إن مشيت على شارع
إن مشيت علي شارع لا يؤدي إلي هاوية
قل لمن يجمعون القمامة: شكراً!
إن رجعت إلي البيت، حياً، كما ترجع القافية
بلا خللٍ، قل لنفسك: شكراً!
إن توقعت شيئاً وخانك حدسك، فاذهب غداً
لتري أين كنت وقل للفراشة: شكراً!
إن صرخت بكل قواك، ورد عليك الصدى
(من هناك؟) فقل للهوية: شكراً!
إن نظرت إلي وردة دون أن توجعك
وفرحت بها، قل لقلبك: شكراً!
إن نهضت صباحاً، ولم تجد الآخرين معك
يفركون جفونك، قل للبصيرة: شكراً!
إن تذكرت حرفاً من اسمك واسم بلادك
كن ولداً طيباً!
ليقول لك الربُّ: شكراً!
مقهى، وأنت مع الجريدة
مقهى، وأنت مع الجريدة جالس
لا، لست وحدك. نصف كأسك فارغ
والشمس تملأ نصفها الثاني ...
ومن خلف الزجاج تري المشاة المسرعين
ولا تُرى [إحدي صفات الغيب تلك:
ترى ولكن لا تُرى]
كم أنت حر أيها المنسي في المقهى!
فلا أحدٌ يرى أثر الكمنجة فيك،
لا أحدٌ يحملقُ في حضورك أو غيابك،
أو يدقق في ضبابك إن نظرت
إلى فتاة وانكسرت أمامها..
كم أنت حر في إدارة شأنك الشخصي
في هذا الزحام بلا رقيب منك أو
من قارئ!
فاصنع بنفسك ما تشاء، إخلع
قميصك أو حذاءك إن أردت، فأنت
منسي وحر في خيالك، ليس لاسمك
أو لوجهك ههنا عمل ضروريٌ. تكون
كما تكون ... فلا صديق ولا عدو
يراقب هنا ذكرياتك /
فالتمس عذرا لمن تركتك في المقهى
لأنك لم تلاحظ قَصَّة الشَّعر الجديدة
والفراشات التي رقصت علي غمازتيها /
والتمس عذراً لمن طلب اغتيالك،
ذات يوم، لا لشيء... بل لأنك لم
تمت يوم ارتطمت بنجمة.. وكتبت
أولى الأغنيات بحبرها...
مقهى، وأنت مع الجريدة جالسٌ
في الركن منسيّا، فلا أحد يهين
مزاجك الصافي،
ولا أحدٌ يفكر باغتيالك
كم انت منسيٌّ وحُرٌّ في خيالك
.
هُو
6- هو لا غيره
7- لم ينتظر أحد
8- برتقالية
9- هنالك عرس
10- فراغ فسيح
هُو
هو لا غيره
هو، لا غيره، من ترجل عن نجمة
لم تصبه بأيّ أذى.
قال: أسطورتي لن تعيش طويلاً
ولا صورتي في مخيلة الناس /
فلتمتحني الحقيقة
قلت له: إن ظهرت انكسرت، فلا تنكسر
قال لي حُزْنُهُ النَّبٌَّوي: إلي أين أذهب؟
قلت إلى نجمة غير مرئية
أو إلى الكهف/
قال يحاصرني واقع لا أجيد قراءته
قلت دوّن إذن، ذكرياتك عن نجمة بعُدت
وغد يتلكأ، واسأل خيالك: هل
كان يعلم أن طريقك هذا طويل؟
فقال: ولكنني لا أجيد الكتابة يا صاحبي!
فسألت: كذبت علينا إذاً؟
فأجاب: علي الحلم أن يرشد الحالمين
كما الوحي /
ثم تنهد: خذ بيدي أيها المستحيل!
وغاب كما تتمنى الأساطير /
لم ينتصر ليموت، ولم ينكسر ليعيش
فخذ بيدينا معاً، أيها المستحيل !
لم ينتظر أحداً
لم ينتظرأحداً،
ولم يشعر بنقص في الوجود،
أمامه نهر رمادي كمعطفه،
ونور الشمس يملأ قلبه بالصحو
والأشجار عالية /
ولم يشعر بنقص في المكان،
المقعد الخشبي، قهوته، وكأس الماء
والغرباء، والأشياء في المقهى
كما هي،
والجرائد ذاتها: أخبار أمسِ، وعالم
يطفو على القتلى كعادته /
ولم يشعر بحاجته إلى أمل ليؤنسه
كأن يخضوضر المجهول في الصحراء
أو يشتاق ذئبٌ ما إلى غيتارة،
لم ينتظر شيئاً، ولا حتى مفاجأةً،
فلن يقوى على التكرار... أعرفُ
آخر المشوار منذ الخطوة الأولى -
يقول لنفسه - لم أبتعد عن عالمٍ،
لم أقترب من عالمٍ
لم ينتظر أحداً.. ولم يشعر بنقص
في مشاعره. فما زال الخريف مضيفه الملكي،
يغريه بموسيقى تعيد إليه عصر النهضة
الذهبي ... والشعر المُقفى بالكواكب والمدى
لم ينتظر أحداً أمام النهر /
في اللا إنتظار أُصاهر الدوريَّ
في اللا إنتظار أطون نهراً - قال -
لا أقسو على نفسي، ولا
أقسو على أحدٍ،
وأنجو من سؤال فادح:
ماذا تريد
ماذا تريد؟
برتقالية
برتقالية، تدخل الشمس في البحر /
والبرتقالة قنديل ماء على شجر بارد
برتقالية، تلد الشمس طفل الغروب الإلهيَّ /
والبرتقالة خائفة من فم جائع
برتقالية، تدخل الشمس في دورة الأبدية /
والبرتقالة تحظى بتمجيد قاتلها:
تلك الفاكهة مثل حبة الشمس
تقَشرُ
باليد والفم، مبحوحة الطعم
ثرثارة العطر سكرى بسائلها...
لونها لا شبيه له غيرها،
لونها صفة الشمس في نومها
لونها طعمها: حامض سكري،
غني بعافية الضوء والفيتامين c..
وليس على الشعر من حرج إن
تلعثم في سرده، وانتبه
إلى خلل رائع في الشبه!
هنالك عرس
هنالك عرسٌ على بعد بيتين منا،
فلا تغلقوا الباب... لا تحجبوا نزوة
الفرح الشاذ عنا. فإن ذبلت وردة
لا يحس الربيع بواجبه في البكاء
وإن صمت العندليب المريض أعار الكناري
حصته في الغناء. وإن وقعت نجمة
لا تصاب السماء بسوء...
هنالك عرس ،
فلا تغلقوا الباب في وجه هذا الهواء
المضمخ بالزنجبيل وخوخ العروس التي
تنضج الآن [تبكي وتضحك كالماء.
لا جرح في الماء. لا أثر لدم
سال في الليل]
قيل: قوي هو الحب كالموت!
قلت: ولكن شهوتنا للحياة
ولو خذلتنا البراهين، أقوى من
الحب والموت/
فلننه طقس جنازتنا كي نشارك
جيراننا في الغناء
الحياة بديهية .. وحقيقية كالهباء!
فراغ فسيح
فراغ فسيح. نحاس. عصافير حنطيةُ
اللون. صفصافةٌ. كسلٌ. أفقٌ مهملٌ
كالحكايا الكبيرة. أرض مجعدةُ الوجه.
صيف كثير التثاؤب كالكلب في ظل
زيتونةٍ يابسٍ. عَرَقٌ في الحجارة.
شمس عمودية. لا حياة ولا موت
حول المكان. جفافٌ كرائحة الضوء في
القمح. لا ماء في البئر والقلب.
لا حُبَّ في عمل الحُبّ... كالواجب الوطني
هو الحُبُّ. صحراء غير سياحية، غير
مرئية خلف هذا الجفاف. جفاف
كحرية السجناء بتنظيف أعلامهم من
براز الطيور، جفاف كحق النساء
بطاعة أزواجهن وهجر المضاجع. لا
عشب أخضر، لا عشب أصفر. لا
لون في مرض اللون. كل الجهات
رمادية
لا إنتظار إذاً
للبرابرة القادمين إلينا
غداة احتفالاتنا بالوطن
.
أنا
11- ها هي الكلمات
12- لوصف زهر اللوز
13- في البيت أَجلس
14- أحب الخريف وظل المعاني
15- وأَمّا الربيع
16- كنت أحبُّ الشتاء
17- كما لو فرحت
18- فرحاً بشيء ما
19- لا أعرف الشخص الغريب
لوصف زهر اللوز
ولوصف زهر اللوز، لا موسوعةُ الأزهار
تسعفني، ولا القاموس يسعفني...
سيخطفني الكلام إلى أحابيل البلاغةِ /
والبلاغةُ تجرح المعنى وتمدح جرحه،
كمذكر يملي على الأنثى مشاعرها /
فكيف يشع زهر اللوز في لغتي أنا
وأنا الصدى؟
وهو الشفيف كضحكة مائية نبتت
على الأغصان من خَفَر الندى...
وهو الخفيفُ كجملةٍ بيضاءَ موسيقيةٍ...
وهو الضعيف كلمح خاطرةٍ
تُطل على أصابعنا
ونكتبها شدى...
وهو الكثيف كبيت شعر لا يدونُ
بالحروف /
لوصف زهر اللوز تلزمني زيارات إلى
اللاوعي ترشدني إلى أسماء عاطفة
معلقة على الأشجار. ما اسمه؟
ما اسم هذا الشيء في شعرية اللاشـيء ؟
يلزمني اختراق الجاذبية والكلام ،
لكي أحِسَّ بخفة الكلمات حين تصير
طيفا هامساً، فاكونها وتكونني
شفّافَةً بيضاءَ /
لا وطنٌ ولا منفى هي الكلمات،
بل ولعُ البياض بوصف زهر اللوز /
لا ثلجٌ ولا قُطنٌ / فما هو في
تعاليهِ على الأشياء والأسماء
لو نجح المؤلف في كتابة مقطع
في وصف زهر اللوز، لانحسر الضبابُ
عن التلال، وقال شعب كامل:
هذا هُوَ /
هذا كلامُ نشيدنا الوطنّي!
في البيت أجلس
في البيت أجلس، لا حزيناً لا سعيداً
لا أنا، أو لا أحد
صحف مبعثرة. وورد المزهرية لا يذكرني
بمن قطفته لي. فاليوم عطلتنا عن الذكرى،
وعطلة كل شيء... إنه يوم الأحد
يوم نرتب فيه مطبخنا وغرفة نومنا،
كل على حدة. ونسمع نشرة الأخبار
هادئة، فلا حرب تشن على بلد
ألامبراطور السعيد يداعب اليوم الكلاب،
ويشرب الشمبانيا في ملتقى نهدين من
عاج... ويسبح في الزبد
ألامبراطور الوحيد اليوم في قيلولة،
مثلي ومثلك، لا يفكر بالقيامة .. فهي
مُلك يمينه، هي الحقيقة والأبد!
كسلٌ خفيفُ الوزن يطهو قهوتي
والهال يصهل في الهواء وفي الجسد
وكأنني وحدي. أنا هو أو أنا الثاني
رآني واطمأنَّ على نهاري وابتعد
يوم الأحد
هو أول الأيام في التوراة، لكن
الزمان يغير العاداتِ: إذ يرتاح
ربُّ الحرب في يوم الأحد
في البيت أجلس، لا سعيداً لا حزيناً
بين بين. ولا أبالي إن علمت بأنني
حقاً أنا ... أو لا أحد!
أحب الخريف وظل المعاني
أحبُّ الخريف وظل المعاني، ويعجبني
في الخريف غموض خفيف شفيف المناديل،
كالشعر غِبَّ ولادته إذ "يَزِغلِلُهُ"
وهج الليل أو عتمة الضوء. يحبو
ولا يجد الاسم للشيء /
يعجبني مطرٌ خَفِرٌ لا يبلل إلاَّ
البعيداتِ
[في مثل هذا الخريف تقاطع موكب عرسٍ
لنا مع إحدى الجنازات، فاحتفل الحيُّ
بالميت والميتُ بالحي]
يعجبني أن أرى ملكاً ينحني لاستعادة
لؤلؤة التاج من سمكٍ في البحيرة /
تعجبني في الخريف مشاعية اللون، لا
عرش للذهب المتواضع في ورق الشجر
المتواضع، مثل المساواة في ظمأ الحب /
يعجبني أنه هدنة بين جيشين ينتظران
المباراة ما بين شاعرتين تحبان فصل الخريف،
وتختلفان على وجه الاستعارة
ويعجبني في الخريف التواطؤ بين
الرؤى والعبارة!
كنت أحبّ الشتاء
كنت في ما مضى أنحني للشتاء احتراماً ،
وأصغي إلى جسدي. مطرٌ مطر كرسالة
حب تسيلُ إباحيَّةٌ من مجنون السماء.
شتاءٌ. نداءٌ. صدى جائع لاحتضان النساء.
هواءٌ يُرَى من بعيد على فرس تحمل
الغيم... بيضاءَ بيضاءَ. كنت أُحبُّ
الشتاء، وأمشي إلى موعدي فرحاً
مرحاً في الفضاء المبلل بالماء. كانت
فتاتي تنشفُ شعري القصير بشعر طويل
ترعرعَ في القمح والكستناء. ولا تكتفي
بالغناء: أنا والشتاء نحبُّكََ، فابقَ
إذا معنا! وتدفىءُ صدري على
شاني ظبيةٍ ساخنين. وكنت أُحبُّ
الشتاء، وأسمعه قطرة قطرة.
مطر، مطر كنداءٍ يُزفَُ إلى العاشق:
أُهطل على جسدي! ... لم يكن في
الشتاء بكاء يدلُّ على آخر العمر.
كان البدايةَ، كان الرجاءَ. فماذا
سأفعل، والعمر يسقط كالشَّعر،
ماذا سأفعل هذا الشتاء ؟
كما لو فرحت
كما لو فرحتُ: رجعت. ضغطتُ على
جرس الباب أكثر من مرةٍ، وانتظرتُ...
لعّلي تأخرتُ. لا أحدٌ يفتح الباب، لا
نأمةُ في الممرِّ.
تذكرتُ أن مفاتيح بيتي معي، فاعتذرتُ
لنفسي: نسيتُك فادخل
دخلنا ... أنا الضيف في منزلي والمضيف.
نظرتُ إلى كل محتويات الفراغ، فلم أرَ
لي أثراً، ربما ... ربما لم أكن ههنا. لم
أَجد شبهاً في المرايا. ففكرتُ: أين
أنا، وصرخت لأوقظ نفسي من الهذيان،
فلم أستطع... وانكسرتُ كصوتٍ تدحرج
فوق البلاط. وقلت: لماذا رجعت إذاً؟
واعتذرتُ لنفسي: نسيتُك فاخرج!
فلم أستطع. ومشيت إلى غرفة النوم،
فاندفع الحلم نحوي وعانقني سائلاً:
هل تغيرتَ؟ قلت تغيرتُ، فالموتُ
في البيت أفضلُ من دهسِ سيارةٍ
في الطريق إلى ساحة خالية !
فرحاً بشيء ما
فرحاً بشيء ما خفي، كنت أحتضن
الصباح بقوة الإنشاد، أمشي واثقاً
بخطاي، أمشي واثقا برؤاي. وحيٌ ما
يناديني: تعال! كأنه إيماءةٌ سحريةٌ ،
وكأنه حلمٌ ترجَّل كي يدربني على أسراره،
فأكون سيِّد نجمتي في الليل... معتمداً
على لغتي. أنا حُلمي أنا. أنا أمُّ أُمي
في الرؤى، وأبو أبي، وابني أنا.
فرحا بشيء ما خفيٍّ، كان يحملني
على آلاته الوتريةِ الإنشاد. يصقلني
ويصقلني كماس أميرة شرقية
ما لم يُغنّ الآن
في هذا الصباح
فلن يُنغَنّى
أعطنا، يا حب، فيضك كله لنخوض
حرب العاطفييّن الشريفة، فالمناخ ملائم،
والشمس تشحذ في الصباح سلاحنا،
يا حبّ! لا هدف لنا إلا الهزيمة في
حروبك... فانتصر أنت انتصر، واسمع
مديحك من ضحاياكَ: انتصر! سَلِمت
يداك! وعد إلينا خاسرين... وسالماً!
فرحا بشيءٍ ما خفيٍّ، كنتُ أمشي
حالماً بقصيدة زرقاء من سطرين، من
سطرين... عن فرح خفيف الوزن،
مرئيٍّ وسرّيّ معاً
من لا يحب الآن،
في هذا الصباح،
فلن يُحبّ!
لا أعرف الشخص الغريب
لا أعرف الشخص الغريب ولا مآثرهُ...
رأيت جنازةً فمشيت خلف النعش،
مثل الآخرين مطأطىء الرأس احتراماً. لم
أجد سببا لأسأل: من هو الشخص الغريب؟
وأين عاش، وكيف مات [فإن أسباب
الوفاة كثيرةٌ من بينها وجع الحياة].
سألتُ نفسي: هل يرانا أم يرى
عدماً ويأسف للنهاية؟ كنت أعلم أنه
لن يفتح النعش المُغطى بالبنفسج كي
يُودعنا وشكرنا ويهمس بالحقيقة
[ما الحقيقة؟]. ربما هو مثلنا في هذه
الساعات يطوي ظلَّه. لكنه هو وحده
الشخصُ الذي لم يبكِ في هذا الصباح،
ولم ير الموت المحلق فوقنا كالصقر...
[فالأحياء هم أبناء عم الموت، والموتى
نيام هادئون وهادئون وهادئون] ولم
أجد سبباً لأسأل: من هو الشخص
الغريب وما اسمه؟ [لا برق
يلمع في اسمه] والسائرون وراءه
عشرون شخصا ما عداي [أنا سواي]
وتُهتُ في قلبي على باب الكنيسة:
ربما هو كاتبٌ أو عاملٌ أو لاجئٌ
أو سارقٌ، أو قاتلٌ... لا فرق،
فالموتى سواسية أمام الموت.. لا يتكلمون
وربما لا يحلمون...
وقد تكون جنازةُ الشخص الغريب جنازتي
لكنَّ أمراً ما إلهياً يؤجلها
لأسباب عديدة
من بينها: خطأ كبير في القصيدة!
.
هي
-الجميلات هن الجميلات
-كمقهى صغير هو الحب
-يد تنشر الصحو
-قال لها: ليتني كنت أصغر
-لا أنام لأحلم
-نسيت غيمة في السرير
-هي/هو
-هي لا تحبك أنت
-لم تأتِ
-و أنتَ معي
-الآن بعدك
الجميلاتُ هنّ الجميلات
الجميلاتُ هنّ الجميلاتُ (نقشُ الكمنجاتِ في الخاصرة)
الجميلاتُ هنّ الضعيفاتُ (عرشٌ طفيفٌ بلا ذاكرة)
الجميلاتُ هنّ القويّاتُ (يأسٌ يضيءُ و لا يحترق)
الجميلاتُ هنّ الأميراتُ (رباتُ وحي ٍ قلق)
الجميلاتُ هنّ القريباتُ (جاراتُ قوس ِ قُزح)
الجميلاتُ هنّ البعيداتُ (مثل أغاني الفرح)
الجميلاتُ هنّ الفقيراتُ (كالورد في ساحة المعركة)
الجميلاتُ هنّ الوحيداتُ (مثل الوصيفات في حضرة الملكة)
الجميلاتُ هنّ الطويلاتُ (خالاتُ نخل السماء)
الجميلاتُ هنّ القصيراتُ (يُشرَبنَ في كأس ماء)
الجميلاتُ هنّ الكبيراتُ (مانجو مُقشّرة ٌ و نبيذٌ معتّق)
الجميلاتُ هنّ الصغيراتُ (وعدُ غدٍ و براعمُ زنبق)
الجميلاتُ كلّ الجميلاتِ-أنتِ
إذا ما اجتمعنَ ليخْتَزْنَ لي أنبلَ القاتلات!
كمقهى صغير ٍ هوَ الحبّ
كمقهى صغير ٍ على شارع ِ الغرباء-
هوَ الحبّ يفتحُ أبوابَهُ للجميع.
كمقهى يزيدُ و ينقصُ وَفْق المُناخ:
إذا هطلَ المطرُ ازدادَ روّادُهُ،
و إذا اعتدلَ الجوّ قلّوا و ملّوا.....
أناههنا- يا غريبة ُ-في الركن أجلسُ
( ما لونُ عينيكِ؟ما اسمكِ؟كيفَ أناديكِ
حينَ تمرّينَ بي،و أنا جالسٌ في انتظارك؟)
مقهى صغيرٌ هوَ الحبّ. أطلبُ كأسيْ
نبيذ ٍ و أشرب نخبي و نخبك. أحملُ
قُبعتيْن ِ و شمسية. إنّها تمطرُ الآن.
تمطرُ أكثرَ من أيّ يوم،و لا تدخلين.
أقولُ لنفسي أخيراً: لعلّ التي كنتُ
أنتظرُ انتظرتني...أو انتظرت رجلاً
آخر- انتظرتنا و لم تتعرف عليه/عليّ
و كانت تقول: أنا ههنا في انتظارك.
(ما لونُ عينيكَ؟ أيّ نبيذ ٍ تحبّ؟
و ما اسمكَ؟كيفَ أناديكَ حينَ تمرّ أمامي)
كمقهى صغير ٍ هو الحبّ.....
يدٌ تنشرُ الصحو
يدٌ تنشرُ الصحوَ أبيضَ،تسهرُ
تنهى و تأمرُ،تنأى و تدنو،و تقسو
وتحنو. يدٌ تكسرُ اللازوردَ بإيماءةٍ،
و ترقّصُ خيلاً على النّهوند. يدٌ تتعالى.
تُثرثرُ حينَ يجفُّ الكلامُ. يدٌ تسكبُ
البرقَ في قدح ِ الشاي،تحلبُ ثديَ
السحابة،تستدرجُ الناي "أنتَ صدايَ ".
يدٌ تتذكرُ ما سوفَ يحدُثُ عمّا قليل.
يدٌ تتلألأ في أنجم ٍ خمسةٍ......تحرمُ
الليلَ من حقّهِ في النّعاس. يدٌ تعصرُ
المفردات فترشح ماءً. يدٌ تتحدثُ عن
هجرة الطير منها إليها.يدٌ ترفعُ
المعنوياتِ في الكلمات،يدٌ تأمرُ
الجيشَ بالنوم ِ في الثكنات. يدٌ تتحرّشُ
بالموج ِ في جسدي.يدُها همسة ٌ تلمَسُ
الأوجَ: خذني .......هنا الآنَ.....خذني!
قالَ لها:
ليتني كنتُ أصغر
قالَ لها: ليتني كنتُ أصغرَ......
قالت لهُ: سوفَ أكبرُ ليلاً كرائحة ِ
الياسمينة ِ في الصيف
ثمّ أضافت: و أنتَ ستصغرُ حينَ
تنام، فكلّ النيام ِ صغارٌ. و أمّا أنا
فسأسهرُ حتّى الصباح ليسودّ ما تحتَ
عينيّ. خيطان من تعبٍ متقن ٍ يكفيان
لأبدوَ أكير. أعصرُ ليمونة ً فوقَ
بطني لأخفي طعمَ الحليب و رائحة ِ القطن.
أفركُ نهديّ بالملح ِ و الزنجبيل فينفرُ
نهدايَ أكثر \
قالَ لها: ليسَ في القلبِ متسعٌ
للحديقة ِ يا بنت......لا وقتَ في جسدي
لغدٍ......فاكبري بهدوءٍ و بطءٍ
فقالت لهُ: لا نصيحة َ في الحبّ. خذني
لأكبرَ! خذني لتصغرَ
قالَ لها: عندما تكبرينَ غداً ستقولين:
يا ليتني كنتُ أصغرَ
قالت لهُ: شهوتي مثل فاكهةٍ لا
تؤجّلُ....لا وقتَ في جسدي
لانتظار ِ غدي!
لا أنامُ لأحلم
لا أنامُ لأحلم - قالت لهُ
بلْ أنامُ لأنساك. ما أطيبَ النومَ وحدي
بلا صخب ٍ في الحرير،ابتعدْ لأراكَ
وحيداً هناك، تفكرُ بي حينَ أنساك
لا شيءَ يوجعني في غيابك
لا الليلُ يخمشُ صدري و لا شفتاكَ....
أنامُ على جسدي كاملاً كاملا
لا شريكَ له،
لا يداكَ تشقّان ثوبي، و لا قدماكَ
تدُقّان ِ قلبي كبندقةٍ عندما تُغلقُ الباب
لا شيءَ ينقصُني في غيابك:
نهدايَ لي.سُرّتي.نَمَشي.شامتي،
ويدايَ و ساقايَ لي.كلّ ما فيّ لي
و لكَ الصورُ المشتهاة ُ، فخُذها
لتؤنسَ منفاك، و ارفع رؤاكَ كنخب ٍ
أخير. و قلْ إنْ أردتَ : هواكِ هلاك.
و أمّا أنا، فسأصغي إلى جسدي
بهدوءِ الطبيبة: لا شيءَ، لا شيءَ
يوجعُني في الغياب سوى عُزلةِ الكون!
نسيتْ غيمة في السرير
نسيتْ غيمة ً في السرير. على عجل ٍ
ودّعتني و قالت: سأنساك. لكنها
نسيتْ غيمة ً في السرير. فغطيتُها بالحرير
و قلتُ لها: لا تطيري و لا تتبعيها.
ستأتي إليك.
( و كانت عصافيرُ زرقاءُ، حمراءُ،
صفراءُ ترتشفُ الماءَ من غيمةٍ
تتباطأ حينَ تُطلّ على كتفيها)
ستدركُ حينَ تعودُ إلى بيتها، دونَ
حاشيةٍ من عصافير، أنّ المناخَ تغيّر
في ساحل ِ الكتفين، و أنّ السحاب تبخر
عندئذٍ تتذكرُ ما نسيتْ: غيمة ً في
سريري،فترجعُ كي تستعيدَ تقاليدها
الملكية في غيمة........
فشمتُّ بها و ابتسمتُ.
و حينَ دخلتُ سريري لأرقدَ في
الاستعارةِ بلّلني الماء
هي/هو
هي:هلْ عرفتَ الحبّ يوماً؟
هو: عندما يأتي الشتاءُ يمسّني
شغفٌ بشيء غائب،أضفي عليه
الاسمَ،أيّ اسم ٍ، و أنسى......
هي: ما الذي تنساهُ؟ قلْ!
هو:رعشة ُ الحمّى، و ما أهذي به
تحتَ الشراشف ِ حينَ أشهق:
دثّريني...دثّريني!
هي: ليسَ حباً ما تقول
هو: ليسَ حباَ ما أقول
هي:هلْ شعرتَ برغبة في أن تعيشَ
الموتَ في حضن ِ امرأة؟
هو: كلّما اكنملَ الغيابُ حضرتُ.....
و انكسرَ البعيد،فعانق الموتُ الحياة
و عانقته.........كعاشقين
هي: ثمّ ماذا؟
هو: ثمّ ماذا؟
هي: و اتحدتَ بها،فلم تعرف يديها
من يديك و أنتما تتبخران كغيمة ً زرقاء
لا تتبيّنان أأنتما جسدان.....أمْ طيفان
أمْ؟
هو: من هي الأنثى - مجازُ الأرض
فينا؟ من هوَ الذكر؟ - السماء؟
هي: هكذا ابتدأت أغاني الحبّ.أنتَ اذاً
عرفتَ الحبّ يوماً!
هو: كلّما اكتملَ الحضورُ و دُجّن المجهولُ....
غبتُ
هي:إنّهُ فصلُ الشتاء، و ربّما
أصبحتُ ماضيكَ المفضّل في الشتاء
هو: ربّما...فإلى اللقاء
هي: ربّما....فإلى اللقاء!
كما لو فرحت
كما لو فرحتُ: رجعت. ضغطتُ على
جرس الباب أكثر من مرةٍ، وانتظرتُ...
لعّلي تأخرتُ. لا أحدٌ يفتح الباب، لا
نأمةُ في الممرِّ.
تذكرتُ أن مفاتيح بيتي معي، فاعتذرتُ
لنفسي: نسيتُك فادخل
دخلنا ... أنا الضيف في منزلي والمضيف.
نظرتُ إلى كل محتويات الفراغ، فلم أرَ
لي أثراً، ربما ... ربما لم أكن ههنا. لم
أَجد شبهاً في المرايا. ففكرتُ: أين
أنا، وصرخت لأوقظ نفسي من الهذيان،
فلم أستطع... وانكسرتُ كصوتٍ تدحرج
فوق البلاط. وقلت: لماذا رجعت إذاً؟
واعتذرتُ لنفسي: نسيتُك فاخرج!
فلم أستطع. ومشيت إلى غرفة النوم،
فاندفع الحلم نحوي وعانقني سائلاً:
هل تغيرتَ؟ قلت تغيرتُ، فالموتُ
في البيت أفضلُ من دهسِ سيارةٍ
في الطريق إلى ساحة خالية !
فرحا بشيءٍ ما خفيٍّ، كنتُ أمشي
حالماً بقصيدة زرقاء من سطرين، من
سطرين... عن فرح خفيف الوزن،
مرئيٍّ وسرّيّ معاً
من لا يحب الآن،
في هذا الصباح،
فلن يُحبّ!
.
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2010